الشيخ محمد هادي معرفة

413

تلخيص التمهيد

وبعد ، فإذا ما أضفنا إلى هذه الحقيقة المُذهلة ، أنّها عُرضت على يد رجل امّي لا يكتب ولا يقرأ عن كتاب ولا درس عند أستاذ ، من امّةٍ عربية جاهلة ، وفي بيئة بدوية متوغّلة في البداوة ، في صحراء جرداء قاحلة ، بعيدة عن حضارات الأمم وثقافات العالم بمسافات شاسعة ، فنحن إذاً أمام معجزة خارقة للعادة ، لا شكّ فيها ولا ريب ، وإنّما يكابر فيها من استغلق على نفسه مشارع البصيرة ، وعاقب نفسه إذ حجب عنها إشعاع تلك الرحمة التي يشعّها هذا الكتابُ الكريم . * * * وليُعلم أنّنا في هذا العرض إنّما نحاول فهم جانب من الآيات الكونية ، ربما صعب دركها قبلئذٍ ، وأمكن الاهتداء إليها في ضوء حقائق علمية راهنة ، جهد المستطاع . وقد نخطئ الصواب ، ويعود العتب علينا بالذات . إنّنا لا نحاول تطبيق آية قرآنية ذات حقيقة ثابتة على نظرية علمية غير ثابتة وهي قابلة للتعديل والتبديل ، إنّما مبلغ جهدنا الكشف عن حقائق وأسرار كونية انطوت عليها لفيفٌ من آيات الذكر الحكيم ، كشفاً في ضوء العلم الثابت يقيناً حسبما وصلت إليه البشرية قطعياً ، ممّا لا يحتمل تغييراً أو تعديلًا في مسيره ، نظير ما وصل إليه العلم من دورة المياه في الطبيعة ، والجاذبية العامّة ، ودرجات ضغوط الأجسام وما شابه . فإنّ بقاء الآية على إبهامها أولى من محاولة تطبيقها على نظريّة علميّة غير بالغة مبلغ القطعية والكمال ، وربما كانت تحميلًا على الآية وتمحّلًا باهتاً ، إن لم يكن قولًا على اللَّه بغير علم . هل وقع التحدّي بالإعجاز العلمي ؟ هل وقع التحدّي بجانب إعجاز القرآن العلمي كما وقع بجوانب الإعجاز البياني من فصاحة وبيان ونظم وأسلوب ؟